السيد محمد الصدر

86

ما وراء الفقه

ولا شك أن هذا تعريف باللازم الأعم ، يعني بالصفة غير المختصة بالغناء ، إذ قد يوجد مد الصوت ورفعه والاستمرار به من دون صدق الغناء كما لو حصل ذلك في نص نثري غير موزون ولا مقفى ككلام ابن الأثير في الكامل أو في أسد الغابة مثلا . وأما تفسير الغناء بأنه ( السماع ) أو ( الصوت ) فهو أسوأ من الناحية المنطقية مما سبق ، كما هو واضح لمن يفكر . فعن المصباح أن الغناء الصوت وعن آخر : أنه مد الصوت . وعن الشافعي أنه تحسين الصوت وترقيقه . وعن مشهور الفقهاء : أنه مد الصوت المشتمل على الترجيح المطرب وعن القاموس : الغناء ككساء من الصوت ما طرب به . ولا شك أن أي تعريف مما سبق مما لم يأخذ الطرب شرطا في مفهوم الغناء ، هو أعم منه ، لأن قد يتحقق في غيره ، وأما مع أخذ مفهوم الطرب فيه ، فيكون بينه وبين الغناء عموما وخصوصا من وجه . إذ قد يصدق الغناء عرفا بدون أن يكون مطربا ، كما قد يحصل الطرب بدون غناء ، كما في سماع بعض أنواع الشعر الجيد ، وإن قرأه الإنسان لوحدة . فالصحيح أن كل التعاريف إنما هي لفظية وليست بحد ولا رسم من الناحية المنطقية . وإنما يراد بها تحويل الذهن على المفهوم العرفي للغناء الذي هو فعلا مما تغلب به هذه الصفات المذكورة وإن لم تكن منحصرة به . فالحاصل : هو أن الصحيح إيكال مفهوم الغناء إلى العرف كأي مفهوم آخر من الناحية الفقهية ، فهو كل صوت يتسالم عليه العرف بكونه غناء . بغض النظر عن أي صفة أخرى له . ولعله لا يختلف في ذلك بين أن يكون الصوت صادرا من البشر ، ذكرا كان أم أنثى ، أم من غير البشر كما سنذكر . وسواء كان الصادر من البشر ذو معنى أم لم يكن . وسواء كان المعنى حقا أم باطلا .